آخر الأخبار

مقالات فقهية

الجمع بين الصلوات من غير عذر

الجمع بين الصلوات من غير عذر

تاريخ الإضافة: الثلاثاء, 10 نوفمبر 2015 - 21:13 مساءً | عدد المشاهدات: 407
 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: 

فلا شك أن الصلاة لها مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي الركن الثاني منه بعد الشهادتين وعليها تنبني ديانة المرء، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن أضاعها فهو لما سواها أضيع، وبها أيضا يعرف المطيع من العاصي، ويفرق بين الكافر والمسلم، لذلك قال - صلى الله عليه و سلم -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)(1).، فلأجل ذلك تتعين المحافظة عليها، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]: أي فريضة مرتبطة بأوقات محددة لا بد من التزامها.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الأعمال - أو العمل - الصلاة لوقتها) متفق عليه(2)، فيجب على المسلم أن يحافظ على الصلاة في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة عن وقتها من غير عذر فقد أثم إثماً عظيماً، وتعرض للوعيد الذي توعد الله به الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها حيث يقول سبحانه وتعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]. و قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4-5]

انتشرت ظاهرة الجمع بين الصلوات وخاصة الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بدون عذر فقد أردنا هنا أن نتطرق إلى هذه المسألة فنبيّن حكم الشرع فيها وفق الأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة عسى أن يفتح الله بيننا وبين أقوام بالحقّ.
حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالكعن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلمالظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر)(3).

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبومعاوية ح وحدثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج واللفظ لأبي كريب قالا حدثنا وكيع كلاهماعن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (جمع رسول الله صلىالله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)(4).
وأما اللفظ من غير خوف ولا مرض فهذا غير وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالديعني بن الحارث حدثنا قرة حدثنا أبو الزبير حدثنا سعيد بن جبير حدثنا ابن عباس: (أنرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بينالظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك قال أراد أنلا يحرج أمته)(5).
أي : لا يوقعها في حرج وضيق ، وهذا يدل على أن هناك عذراً للجمع في هذا الحديث ولولا هذا الجمع لوقع الناس في الحرج.
قال العلامة ابن باز رحمه الله:
" الصواب حمل الحديث المذكور على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك قول ابن عباس لما سئل عن علة هذا الجمع قال : (لئلا يحرج أمته) وهو جواب عظيم سديد شاف". انتهى(6).
ففي المصنف لابن أبي شيبة عن أبي بن عبد الله قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز (لا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر).

قال ابن عبد البر في الاستذكار:
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرِ الْمَطَرِ إِلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ. انتهى(7).

قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى:
الجمع بين الصلوات من غير عذر لا يجوز ولا تصح به الصلاة لأنه صلاها في غير وقتها من غير عذر شرعي والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا‏ }‏ ‏[‏سورة النساء‏:‏آية 103‏]‏‏.‏ والجمع إنما يباح للعذر الشرعي كالمرض والسفر وكذلك بين العشائين في المطر والوحل، هذه الأعذار التي تبيح الجمع بين الصلاتين أما أن يجمع من غير عذر فهذا لا يجوز ولا تصح صلاته إذا فعل ذلك‏.‏أما الحديث فلفظه ورد بروايتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ‏"‏أنه جمع من غير خوف ولا سفر‏"‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه]‏‏.‏ 
وفي رواية ‏"من غير خوف ولا مطر‏"‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه‏]‏‏.‏ وأما اللفظ الذي ذكر السائل فهذا غير وارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع من غير خوف ولا مرض لم يرد ذكر المرض في الحديث وإنما ورد "من غير خوف ولا سفر‏"
‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه‏]‏‏.‏
وفي رواية‏‏"من غير خوف ولا مطر‏"‏ ‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه‏]‏‏.‏
وللعلماء عن هذا الحديث عدة أجوبة‏:‏ 
ـ منهم من توقف في معناه وقال إنه لا يظهر له معناه‏.‏ 
ـ ومن العلماء من حمله على الجمع الصوري وهذا الذي أيده الشوكاني في نيل الأوطار والجمع الصوري معناه: أن يؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ويقدم الصلاة الثانية في أول وقتها ثم يصليهما جميعًا، هذه في آخر وقتها وهذه في أول وقتها هذا جمع صوري‏.‏
وهذا معنى صحيح وأيّده الشوكاني وأيده غيره في معنى الحديث أن المراد به الجمع الصوري‏.‏ 
ـ ومن العلماء من حمل الحديث وهو قوله ‏"من غير خوف ولا سفر‏"‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه].‏ أو ‏"من غير خوف ولا مطر‏"‏‏‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه].‏ بأن معنى ذلك أنه جمع للمرض؛ لأن الأعذار التي تبيح الجمع أربعة‏:‏ 
ـ إما الخوف وإما المرض وإما السفر وإما المطر‏.‏ 
فإذا كان ذكر أنه ‏‏"من غير خوف ولا سفر‏"‏ ‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه]‏‏.‏ أو ‏"من غير خوف ولا مطر‏"‏ ‏[‏رواه الإمام مسلم في صحيحه‏]‏‏.‏ فلم يبق إذن إلا المرض فيكون صلى الله عليه وسلم جمع من أجل المرض فيباح للمريض أيضًا أن يجمع إذا كان يلحقه بترك الجمع مشقة‏. انتهى كلامه.

والجمع إنما يباح للعذر الشرعي ـ إما الخوف وإما المرض وإما السفر وإما المطر‏.‏ ، هذه الأعذار التي تبيح الجمع بين الصلاتين أما أن يجمع من غير عذر فهذا لا يجوز ولا تصح صلاته إذا فعل ذلك‏.‏ 
وأما الجمهور كما ذكر الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى ، فحملوا الجمع المذكور في حديث ابن عباس من قوله وفعله على أنه جمع صوري بأن تؤخّر الصلاة الأولى إلى قرب دخول وقت الصلاة الأخرى فتصلى، وبعد الانتهاء منها يدخل وقت الصلاة الثانية، فتصلى في أول وقتها. 
قال الشوكاني في النيل: ومما يدل على تعين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً أخّر الظهر وعجل العصر وأخّر المغرب وعجل العشاء، فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأنّ ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري. انتهى(8). 
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: وهذا الجواب هو أولى الأجوبة عندي وأقواها وأحسنها، فإنه يحصل به التوفيق والجمع بين مفترق الأحاديث. انتهى.(9)
فاعلم أخي المسلم أن الأصل هو أن تصلي كل صلاة في وقتها 
والله أعلم. 
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

بقلم فضيلة الشيخ أبي إسلام سليم الجزائري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
(1) رواه أحمد في مسنده، ورواه أصحاب السنن الأربعة إلا أبو دواد وآخرون من حديث الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريده عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح.
(2) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، واللفظ لمسلم
(3) رواه مسلم، وأبو دواد وغيرهما.
(4) رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه، وغيرهما.
(5) رواه مسلم.
(6) في تعليقه على "فتح الباري" (2/24).
(7) ج2/ ص211، طبعة دار الكتب العلمية.
(8) ج3/ 258، طبعة دار الحديث.
(9) ج1/ 476، طبعة دار الكتب العلمية.
 

أضف تعليق