آخر الأخبار

مقالات في المنهج

شَرحُ أَثَرِ ابْنِ مَسْعودٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ -

شَرحُ أَثَرِ ابْنِ مَسْعودٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ -

تاريخ الإضافة: الإثنين, 09 نوفمبر 2015 - 18:52 مساءً | عدد المشاهدات: 239
 


الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وأشْهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله، وبعد،،
قالَ ابنُ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه ، اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُم 
قوله " اتبعوا " يعني: ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال :46]. ففي إتباع السنة والأخذ بها طاعة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك سبيل النجاة من الاختلاف المذموم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض. أخرجه الحاكم في مستدركه (319)، والبيهقي في السنن الكبرى (20337).
وعبد الله بن مسعود من السابقين الأولين المهاجرين، فهو من أكبر علماء الصحابة، يقول - رضي الله عنه -: " اتبعوا " يعني: ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يطابق قول الرسول - صلى الله عليه و سلم - عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عَضّوا عليها بالنواجذ، رواه أبو داود و الترمذي، وقال حديث حسن صحيح . وهذا هو الإتباع الذي أمرنا به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله رضي الله عنه: "ولا تبتدعوا" فهو يطابق أيضاً قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة. هذا هو الابتداع، 
و قوله صلى الله عليه و سلم: فإن كل بدعة ضلالة 
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -:
" والمراد بقوله : ( كل بدعة ضلالة ) ما أُحْدِثَ ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام. فتح الباري (3/ 254).
تعريف البدعة:
لغة:
قال الإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – في الاعتصام:
وأصل مادة ((بَدَعَ)) لِلِاخْتِرَاعِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَمِنْهُ قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117، الأنعام: 101] أي مخترعهما مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ مُتَقَدِّمٍ. انتهى (1/ 49).
وأما شرعاً: طريقةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ في التعبد لله سبحانه. انتهى. من كتاب الاعتصام للشاطبي (1/ 50).
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. أخرجه مسلم – رحمه الله تعالى -. 
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى-:
وهذا الحديث - يعني حديث : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد - معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده ؛ فإن مَن اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه. الفتح (5/ 302).
وقال النووي – رحمه الله تعالى -: 
قال أهل العربية : الرد هنا بمعنى المردود ، ومعناه : فهو باطل غير معتَدٌّ به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - فإنّه صريح في ردِّ كل البدع والمخترعات، وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به. شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 16).
وقال ابن رجب - رحمه الله تعالى -:
فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصلٌ من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين منه بريء. جامع العلوم والحكم (2/ 128)
وقال ابن حجر : والمراد بقوله : ( كل بدعة ضلالة ) ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام. الفتح وقد تقدم تخريجه.
ثم قال - رضي الله عنه - " فقد كفيتم" معناه لا تحتاجون إلى زيادة وإلى تكلف، يكفيكم أن تعملوا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما قاله صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبق لأحد سبيل للزيادة والنقصان، ويخترع للناس أموراً يظن أنها خير، وأنها تُقَرّبُ إلى الله سبحانه وتعالى،
قال جلّ وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ ِنعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: 3].
قال ابنُ كثير - رحمه الله تعالى-: "هذه أكبرُ نِعَم الله - تعالى - على هذه الأمَّة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينَهم، فلا يحتاجون إلى دينٍ غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم - صلَوات الله وسلامُه عليه - ولهذا جعله الله تعالى خاتمَ الأنبياء، وبعَثَه إلى الإنسِ والجنِّ، فلا حلالَ إلاَّ ما أحلَّه، ولا حرام إلاَّ ما حرَّمه، ولا دين إلاَّ ما شرعَه، وكلّ شيء أخبرَ به فهو حقّ وصدق لا كذب فيه ولا خُلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنَّواهي، فلمَّا أكمل لهم الدّين تمَّت عليهم النِّعْمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ ِنعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: 3] أي: فارضَوْهُ أنتُم لأنفُسِكم، فإنَّه الدّين الَّذي أحبَّه الله ورضِيَه، وبعث به أفضل الرُّسُل الكرام، وأنزل به أشرفَ كتُبِه". تفسير ابن كثير (5 /246).
روى البخاري ومسلم من حديث طارق بن شهاب – رحمه الله تعالى -، عن عُمر بن الخطَّاب - رضي الله عنْه - أنَّ رجلاً من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابِكم تقرؤونَها، لو علينا - معشرَ اليهود - نزلت لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ ِنعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: 3]، قال عمر: قد عرفْنا ذلك اليوم، والمكان الَّذي نزلت فيه على النَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وهو قائمٌ بعرفة يوم جمعة.
وقال عليّ بن أبي طلحةَ - رحمه الله تعالى - عن ابنِ عبَّاس - رضي الله عنهما-: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] وهو الإسْلام، أخبر الله نبيَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - والمؤمِنين أنَّه قد أكمل لهم الإيمان فلا يَحتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقد أتمَّه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضِيَه فلا يَسخطه أبدًا، وقال ابنُ جرير وغيرُ واحد: مات رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بعد يوم عرفة بواحدٍ وثَمانين يومًا.
أنَّ الدين قد كمُل فلا يحتاج إلى زيادة أبدًا، فما يفعله أهل الضَّلالة من البدَع إنَّما هو ابتِداع في دين الله، واتِّهام لهذا الدِّين بالنَّقص، 
فَقَدْ كُفِيتُم ، فلا يجوز لأحدٍ أن يأتي بعبارة من عنده، أو يتقعر ويتكلف ويأتي بمعانٍ لم يقلها السلف خصوصاً في باب العقيدة واختراع العبارات في الأسماء والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب و السنة ولم يقلها من سبق من السلف الصالح نعم ليس له سبيل في هذا، بل هذا هو الضلال فأغزر الناس علماً هم الصحابة، ، لا يتكلفون ، وإنما يأخذون من مقتضى الكتاب والسنة بدون تكلف، 
وروى ابن حميد عن مالك – رحمهما الله تعالى – أنه قال : لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان. وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة
ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عكس ذلك، فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها، أو أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد. انتهى. جامع العلوم والحكم (2/ 132).
فما من خيرٍ إلاَّ والنَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - دلَّ أمَّته عليه، وما من شرٍّ إلاَّ حذَّر أمَّته منه، فليس لنا أن نتكلف في النصوص، قال أبو ذرّ رضي الله عنه : لقد تركَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وما يقلب طائرٌ جناحيْه في السَّماء إلاَّ ذَكَر لنا منْه علمًا لهذا. تفسير ابن جرير ( 5/188).
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغزر الناس علماً، وأقلهم تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يبعدون عن الكتاب والسنة فعلينا بأثار من سلف والعمل بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.
والحمدُ الله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِه وصحْبِه أجْمعين.

أضف تعليق